التسويق الترجمي

من حضرتك؟

أدخل إلى منتدى ترجمي أو آخر، فأجد أحدهم (أو إحداهن) يصرخ، بطريقة أو بأخرى، متسائلا كيف السبيل إلى العالم الترجمي للخريج الجديد، وكيف أن الشركات كذا وكذا، وكيف أن المترجمين كذا وكذا، وكلنا نرى ونسمع. والحقيقة، إن شعورا من الاستعجاب ينتابني وسؤالا يستحوذ على تفكيري موجها إلى “الصارخ”: من حضرتك؟!!!

أي نعم، قدر كبير من الملامة دائما ما أطرحه على الشركات الترجمية ومديري المشاريع الترجمية الحرة، وغيرهم. لكن حديثي (هذه اللحظة) إلى الخريج الجديد والملامة الكبرى عليه الآن. فسؤالي بيني وبين نفسي: “من حضرتك؟” لا شك يسأله أيضا مدير شركة كذا، ومدير مشروع كذا، ومترجم في مركز كذا، إلخ. وهؤلاء جميعهم قد يشعرون بالرغبة في مساعدة هذا الخريج الجديد، لكنهم بالتأكيد قلما يقْدِمون على ذلك، لأن إجابة السؤال السابق مجهولة لديهم، وغالبا ما لا يوجد وقت للمغامرات الترجمية. فما الحل إذن؟

ترجم حتى أراك!

لقد كتبتَِ مشاركة على الإنترنت، إذن فقد وصلتَِ إليه!!! كيف إذن لا تستغل هذه النعمة التي ستحاسب عليها! لا تصرخ!!! هل ترى حقا أنك مترجم مجيد. قم إذن بترجمة فقرات ما وانشر ترجماتك؛ حتى يرى الناس قدراتك، حتى لو على سبيل التقييم. استمر على ذلك بين حين وآخر ونوّع حتى ترى ما يروق لك وما تجيده من تخصصات، وحتى تكتسب خبرة أكثر. شارك في الإجابة على استفسارات الزملاء في الأسئلة المختلفة على المواقع والمجموعات الترجمية. شارك في المناقشات المفيدة، ولا تقل لا أعرف. فلا شك لديك من الفائدة وإن قلتْ ما ليس لدى غيرك. تجنب الثرثرة التي لا داع لها والشكر الذي يهدف فقط إلى تكثير المشاركات. وأخيرا (وأولا أيضا)، افعل كل ذلك بنية الفائدة والإفادة، وباختصار: اخلص نيتك لله. فالنوايا الأخرى كلها مكشوفة (هذا لمعلوماتك!). إياك إياك أن تظن أن هذه الطريقة غير مفيدة. فبإمكاني أن أسرد لك قائمة بأناس أعرفهم يقينا دخلوا إلى سوق الترجمة من خلالها. وشخصيا أغلب المشاريع التي عملت بها على الشبكة كانت بترشيح أناس لا أعرفهم (أوْ لا أعرفهم شخصيا) قرؤوا ترجماتي على موقع أو آخر، رغم أن مشاركتي على الإنترنت، غالبا هي نوع من مركبات الإدمان الترجمي الافتراضي الذي أحاول فيه استحضار النية وتجديدها!

الترجمة وفك الخط!

تقول: حاولت وفشلت! كم حاولت؟ ولم فشلت؟ لا تقنعني أن رسالة لك ليس فيها سطر صحيح باللغة العربية ستلقى قبول مدير مشروعات ترجمية. لاحظ، أقول “رسالة”. نعم رسائلك العادية، لابد أن تخلو من كل خطأ. وجل من لا يسهو، لكن فارقا بين شخص يبدو كأنه لا يجيد الكتابة، وآخر أخطأ سهوا. ماذا عن الترجمة، إذن؟ كانت مترجمة ممتازة، لم أتردد في ترشيحها عندما سألني مدير ومراجع بأحد المشاريع الترجمية الحرة، فقد جربها من قبل، ويعرف مستواها، ولابد أنه فقط يحتاج إلى تذكير. لكن إجابته كانت ببساطة شديدة: ليس لدي وقت لتصحيح أخطاء نحوية، وضبط علامات ترقيم!!!

أبـتـثـجـح: يعلم الله أنني أشعر كأنما أصِبت بصعقة كهربائية عندما أفاجأ بمترجم يقول: “العربي غير مهم”، ضبط الهمزات أمر غير جوهري”، “نتجاهل بعض الأمور نظرا لضيق الوقت”!!! هل تريد أن تصبح مترجما. إذن لتعرف أولا معنى كلمة ترجمة. الترجمة هي النقل، والنقل يعني أن لدينا مكانين نعرفهما يقينا وبإمكاننا الوصول إليهما على حد سواء. أما الاستقرار في مكان، فلا يسمى نقلا ولا ترجمة مطلقا. وعليه، يحتاج مدرس اللغة وكاتبها إلى أن يكون “ممتازا” في لغة واحدة. أما المترجم، فعليه أن يكون ممتازا في كلا اللغتين أو على الأقل “جيدا جدا”. أما أن يكون ممتازا في لغة وضعيفا أو غير متمكن من الثانية، فهذا أخطأ الطريق إلى الترجمة، وعليه إما أن يحسن نفسه، أو أن يختصر الطريق، ويبحث عن عمل آخر!

اعتقاد شائع

يعتقد البعض أن المترجم هو الذي يجيد اللغة الأجنبية، والصحيح أن المترجم هو الذي يجيد لغته الأم وأضاف إلى ذلك دراسة للغة أجنبية فأتقنها، سواء أتقن لغته الأم بعد ذلك أو قبله. السر الذي لا يعرفه الكثيرون: إذا كنت تريد أن تصبح مترجما في مكان محترم ولعملاء محترمين، فأتقن العربية! فقد تتعامل مع عميل (عربي) يجيد اللغة الأجنبية خيرا منك، لكنه لا يجرؤ أن يترجم حرفا واحدا!!! ألا تصدقني؟ كم مرة قرأتَ إعلانا يشترط أن تكون اللغة التي يترجم إليها المترجم هي لغته الأم؟! الخبرة كفيلة بإثبات صحة ذلك. لكنني أقدم لك هذا السر على طبق من فضة، فلم لا تستغله؟!

المراجعون يراجعون!

نعم، إنهم يتقبلون وجود الأخطاء، لكن قدر هذه الأخطاء هو ما يمثل فارقا. الأمر الآخر، ليس كل مترجم ممتازٍ ممتازًا، فهناك من يترجمون ترجمة صحيحة من حيث المعلومة واللغة لكنهم مثلهم مثل الكثيرين. إن التميز سمة تتجلى دون أن تدرك، أي هي أحد الأشياء التي يراها الناس من حيث لا تراها.

اقرأ!

إن فاقد الشيء لا يعطيه، وباختصار يستحيل أن تترجم مثلا عن العمل التنظيمي في المؤسسات دون أن تقرأ عن ذلك. وبالمناسبة، قد لا يستطيع ذلك أيضا من له خبرة مؤسساتية طويلة؛ ذلك أن الترجمة هي شفرات دائمة التحديث. وهي تشبه في ذلك لغات البرمجة، فالذي يجيد لغة برمجية قديمة، لن يستطيع أن يكتب حرفا في لغة أحدث دون أن يقرأ عنها ويجرب مرارا وتكرارا. عندئذ، يمكن أن تساعده معرفته السابقة. وهذه هي الحال في أي مجال دائم التحديث. وهذا هو حال الترجمة التي هي علم يرتبط بكل العلوم نظرا لأننا نترجم كل العلوم! ومن ثم، فإن المتخصص في مجال ترجمي معين لابد أن يستمر في القراءة عنه. ولا أنسى أن أحد المراجعين ممن جعلهم الله سببا في إحدى النقلات الترجمية الهامة في حياتي، كان يَدْرِس دبلومة في كلية الخدمة الاجتماعية، وقد كانت مفاجأة لي إذ إنها ليست تخصصه الأكاديمي، بل كانت الدراسات الاجتماعية هي تخصصه الترجمي، وكان يحضر لعمل قاموس موسوعي متخصص في هذا المجال!

هل سوء الظن “في النفس” من حسن الفطن؟

الثقة بالنفس مطلوبة. لكنها أشبه ما تكون بقطعة الحلوى التي نتناولها بين حين وآخر. أما الاستمرار والإفراط في تناول السكريات فلا تحمد عقباه، كذلك الإفراط في الثقة يؤدي في النهاية إلى الإصابة بالغرور المزمن، وما يتبع ذلك من أعراض.

عملك المتقن هو خير تسويق لك. وفي كل اللغتين المصدر والهدف، عليك -ما أمكن- الرجوع إلى كل كلمة وتركيب في القواميس نطقا ومعنى، وفي المراجع خصوصا حال الترجمة المتخصصة، وإلى الزملاء ما توفروا، وعليك القراءة المستمرة في موضوع التخصص في غير وقت الترجمة، كما تقدم. لا أبالغ، لا أبالغ أبدا. “المترجم المجيد إنسان شكاك، محدود بوقت”. وهذه التركيبة العجيبة، هي خلطة سرية لا يجيدها سوى المترجم!

فاتورة خدمات ترجمة

تطلب بعض الشركات من المترجم فاتورة بالخدمات الترجمية التي قدمها، ورغم ما يبدو عليه هذا الأمر من سهولة، إلا أن بعض الزملاء قد لا يدركون المضمون اللازم لمثل هذه الفاتورة، أو ينسون بندا هاما من بنودها أو أكثر. وعندما نقول “هاما”، فإن الأمر قد يرتبط بمتطلبات النظام المحاسبي القائم لدى العميل، وهو أحد الأمور التي يعد احترامها -كاحترام غيرها من الأمور الهامة- أساسا في التعامل المهني بين المترجم والعميل. ولمثل هذا آثاره كما نعلم.

وفيما يلي نموذج مبدئي للفاتورة التي يمكن تقديمها لعميل:

Translation Service Invoice

————-
Client:

اسم شركة العميل

Invoice:
رقم الفاتورة
Translator:
اسم المترجم
Project Name:
اسم المشروع
Job No.:
رقم المشروع
Start Date:
تاريخ تسلم العمل
Due Date:
تاريخ تسليم العمل
Translation From:
نوع المشروع ولغته
Units:
طريقة الحساب بالكلمات أم الساعات، إلخ
Quantity:
عدد الوحدات من كلمات أو ساعات، إلخ
Rate:
سعر الوحدة
Total Amount:
الإجمالي
Completed Project Delivered To:
اسم مدير المشروع في شركة العميل
Email:
البريد الإلكتروني لمدير المشروع

Breakdown:
تفصيل العمل

Date:
تاريخ يوم إرسال الفاتورة للعميل

وفيما يلي بعض الملاحظات:

رقم الفاتورة: أحد البيانات التي يتجاهلها الكثير من الزملاء، وربما يجدون أنفسهم محتارين في كتابة رقم تسلسلي مقبول. فالطريقة الأسهل هي كتابة حرفين مثلا من اسم شركة العميل ويليهما رقم متسلسل حسب كل مشروع. فإذا افترضنا أن اسم شركة العميل TransCo، فيمكننا إذن جعل الرقم كالآتي: TC1، TC2، وهكذا حسب تسلسل المشاريع التي تعاملنا فيها مع هذا العميل.

اسم المشروع: ونأخذه من الرسالة التي جاء فيها عرض العمل، بالإضافة إلى اسم الملف المطلوب ترجمته، فلو اختلفا، يدرج أحدها ويليه الآخر بين قوسين.

وملاحظة هامة في مسألة اسم المشروع، يتجاهلها الكثير من الزملاء العاملين في الترجمة خلال الإنترنت هي تغيير اسم رسالة البريد الإلكتروني (خانة الموضوع) عند تسليم المشروع أو غير ذلك، وهذا غير صحيح، ويمثل مشكلة لدى العميل عند البحث فيما بعد لأي غرض من الأغراض. والصحيح هو الرد على الرسالة التي يرسلها العميل حول مشروع معين، دون تغيير أي من بياناتها “نهائيا”، إلى أن ينتهي كل ما يتعلق بهذا المشروع. كذلك لا نغير اسم الملف الذي استلمناه من العميل نهائيا.

رقم المشروع: إن العميل الذي يطلب فاتورة عادة يكون لديه نظام ترقيم المشروعات، وبالتالي فهذا الرقم يرِد في رسالة العميل، وليس فيه مجال للتغيير، فإن لم يرد، تترك هذه الخانة.

نوع المشروع ولغته: قد تُغيّر هذه الخانة في النموذج أعلاه حسب نوع المشروع: Translation, Editing, Proofreading, Post-Proofreading, etc. ونلاحظ في ذلك استخدام نفس التسمية التي يستخدمها العميل، فمن الواضح أن بعض هذه المسميات وغيرها تترادف أو تختلف من عميل إلى آخر، فالأولى استخدام ما ورد في رسالة العميل عند عرض المشروع على المترجم؛ منعا للخلط.

تفصيل العمل: وغالبا يكون في المشاريع التي تستخدم فيها ذاكرات ترجمة وترد فيها سعر الوحدات الترجمية التي لها مطابق في الذاكرة، وتلك التي تتكرر ذاتها، وتلك التي يوجد لها مشابه (لا يصل إلى حد التطابق). ومن الجدير بالذكر أن لهذه أيضا عدد من المترادفات، ولابد من استخدام المصطلحات التي يطلقها العميل عليها؛ منعا للخلط.

التاريخ آخر الفاتورة: هو تاريخ إرسال الفاتورة للعميل، والمنطقي أن يختلف عن تاريخ تسليم العمل. وبعض الزملاء يتجاهلون أو ينسون هذا التاريخ. وهو أحد البيانات الأساسية.

ومن الواضح إذن أن النموذج الوارد أعلاه يتضمن البيانات الأساسية التي لا يمكن تجاهلها، لكن بالطبع قد نزيد عليها بيانات أخرى، مثل البيانات المصرفية للمترجم، أو غير ذلك من الملاحظات حسب الظروف.

كيف أحسن مهاراتي الترجمية؟

يصلني هذا السؤال في رسائل خاصة بضع مرات في الأسبوع: كيف أحسن مهاراتي الترجمية؟! والعجيب أنني لم أراسل أحدا بهذا السؤال من قبل. فعندما بدأتُ الترجمة لم تكن محال الإنترنت قد وُجدت بعد، أما الإنترنت المنزلي (على الهاتف) فكان مكلفا جدا، وكانت له طريقة أصعب من الطريقة الحالية. لكنني لم أسأل هذا السؤال لأساتذتي أيضا، ربما لأن أغلبهم لم يكن متخصصا في الترجمة بل في اللغة. لكن قناعة شخصية كانت لدي مفادها: حتى أصير مترجمة أفضل عليّ أن أترجم أكثر. بل كانت لدي قناعة أخرى مفادها: حتى ننمي مهاراتنا اللغوية -نعَم اللغوية- علينا بالترجمة، ألا ترون أن الترجمة بعض ما يدرس لطلبة اللغة، لماذا؟ لأنها طريقة من طرق اكتساب اللغة حتى لغير المترجمين، لكن الترجمة المستمرة لا يصبر عليها إلا من كان لها.

الخلاصة:

فإذا لم تكن لديك رغبة في استكمال كلماتي هذه، فإليك خلاصتها هنا (وحديثي للمترجمين دون غيرهم، وعلى كافة مستوياتهم). إن تنمية المهارات الترجمية واللغوية مسألة واحدة لا يمكن تفتيتها، ويمكن اختصارها في أمرين: أولا، الممارسة الترجمية المستمرة والمتنوعة، وثانيا، القراءة المتخصصة في قواعد اللغة من جهة والأصول الترجمية النظرية والتطبيقية من جهة أخرى، فضلا عن القراءة العامة لا سيما في التخصصات التي قد نترجم فيها.

كيف أمارس، وماذا أقرأ؟

قد يتوقع البعض أن عليّ فصل ذلك في عنوانين أو البدء بالسؤال الثاني، لكنني أرى -برأيي المتواضع- أن الممارسة هي التي تخبرنا بما علينا قراءته، ولا شك أيضا إن نوعية معينة من القراءة تتيح لنا فضاءات أوسع من الممارسة، وهذا ما نفصله أدناه، إن شاء الله.

نماذج مترجمة:

الكتب التي تتضمن قطعا مترجمة موجودة إما ضمن مناهج الطلاب أو ضمن الكتب الترجمية المتخصصة في المكتبات وعلى شبكة الإنترنت. وآلية الاستفادة منها تتمثل في ترجمة النص الأصلي دون النظر للترجمة ثم قراءة الترجمة ومقارنة النسختين. لمَ أقول نسختين؟ لأننا سنكتشف أن في الترجمة المقترحة في الكتاب مثلا أشياء تعلمناها لأننا أخطأناها في ترجمتنا وأشياء أخرى تعلمناها لأن الترجمة المقترحة قدمتها بأسلوب أفضل. لكن بعض الأمور المختلفة الأخرى بين الترجمتين تعَدّ شيئا من أسلوبنا الخاص الذي لا يجب أن يكون نسخة طبق الأصل من فكر أي شخص آخر حتى أساتذتنا. وكثير من الزملاء يقللون من قيمة هذه الطريقة ويقولون أريد شخصا يوضح لي أخطائي الفردية التي قد لا أدركها وحدي. جميل! لكن هذه الوصفة ستوفر عليك كثيرا في معرفة أخطاء تستطيع معرفتها بمجرد المقارنة بين الترجميتن وما أكثر الأخطاء من هذا النوع.

ترجمة للتقييم:

إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فأنت تتصفح الإنترنت، ونشر قطعة من ترجمتك للتقييم على موقع متخصص مثل “عتيدة” فكرة طيبة بالتأكيد، لكنها ليست المثالية دائما، ذلك أن بعض الزملاء يطلبون تقييم ترجمات تتضمن كمّا من الأخطاء يدل على أنهم لم يبذلوا أدنى مجهود في الترجمة، وأن على المقيّم باختصار إعادة الترجمة وهذا ليس منطقيا وليس الغرض من التقييم أصلا، فالغرض من التقييم بيان نقاط الضعف “العامة” في نص فيه الحد الأدنى من التبشير بأن صاحبه مترجم. وحتى إذا كان نصك مبشرا، وأتيحت لك الفرصة للاطلاع على تقييم الأساتذة والزملاء المتخصصين في الترجمة، فقد لا تتاح لك هذه الفرصة دائما. إنهاخيار رائع، ولا تفوته، ولكن تذكر أنه ليس الخيار الوحيد وليس خيارا متاحا دائما.

جوجل لم يَدْرِس الترجمة:

بعض الترجمات المطلوب تقييمها أصلا ترجمت بمترجم آلي مثل جوجل، وأستعجب حقيقة من واضعها للتقييم؛ هل يطلب تقييم مستوى جوجل؟ والبعض يظن أن هذا لا يكون واضحا وهم مخطئون للأسف وليس عليهم الاستعجاب عندما لا يجدون أحدا أجاب طلبهم. إذا كنت حقا تريد أن تصبح مترجما فانسَ ترجمات جوجل تماما في هذه المرحلة، لا سيما أن من أسوء الترجمات التي يقدمها تلك التي من العربية أو إليها. وباختصار ليست هذه هي الطريقة السليمة في ممارسة الترجمة ولا تعلمها أصلا.

سر اختراع القاموس:

يقف البعض مدهوشا حائرا أمام سر اختراع القواميس؛ لم كلف هؤلاء أنفسهم بتصنيف هذه الأكوام من الكلمات؟ والحقيقة، إنني أحب أن أزيل حيرة السائلين بتوضيح ذلك، فالهدف من اختراع القواميس هو البحث فيها عن الكلمات والتعبيرات. هل تجد هذه الإجابة عادية؟ لم إذن يصر البعض على تخمين أي معنى للكلمات أو التعبيرات (وما أدراك ما التعبيرات!) التي أمامه في النص دون البحث في قاموس عن الاحتمالات الأخرى؟ لا أدري عدد المرات التي قلتُ فيها هذا ولا عدد المرات التي قاله أساتذتي قبلي: ابحث عن معاني الكلمات التي لا تعرفها وتلك التي تعرفها أيضا ولاحظ نطقها السليم والأمثلة الواردة عليها، وليكن بحثك على المعاني في قاموسين على الأقل، أحدهما أحادي اللغة والآخر مزدوج اللغة. دون ذلك فأنت تضيع وقتك ووقت من تشاركهم الكوارث الترجمية التي لا شك ستنتج عن تجاهل هذا السر المعروف للجميع.

الدراسة الأكاديمية والتدريب:

إذا كنت من هؤلاء الذي يبحثون عن ورقة يعلقونها على الجدار أو زكرشة لسيرتهم الذاتية، فأرجوك ألا تواصل القراءة، فالحديث ليس موجها لك. أما إذا كنت ممن يقدرون قيمة تحصيل العلم فللمدرج قيمة عجيبة، ليست في تحصيل العلم وحسب، وإنما في التعرف على آفاق أوسع من الأساتذة والزملاء جميعا والمدرج (الأرضي أو الإلكتروني) بوابة مفتوحة قد تدخل إلى ما بعدها أو لا تدخل.

وأكبر آفتين بين المتعلمين -برأيي المتواضع- التكبر والتخاذل. أما التكبر فهو رفض النصيحة والإصرار على الأخطاء بل والبعض يتمادى في تبريرها ويدحض قيمة تجنبها، والبعض يبلغ الحد في فظاظة الرد على ناصحه بل والبعض يحب الاستعراض أمام زملائه بمعلومات خاطئة عوضا عن السؤال عن مدى صحتها، وغني عن القول إن مثل هذه السلوكيات تشير إلى فساد معدن صاحبها وخواء لبه، وتكون نتيجتها عكس كل ما رمى إليه. وأما التخاذل، فيتمثل في الاعتقاد بأن على المعلم أو المدرب أن يصب العلم صبا في ذهن المتعلم والحقيقة أنه لابد أن يوازي مجهود المعلم أضعافُ ذلك من مجهود المتعلم، وأكرر فالمعلم يشير إلى الطريق ولكن المتعلم هو من يمضي فيه أو لا يمضي.

وأخيرا وليس آخرا، اقرأ كل ما يمكن أن تقرأه. اقرأ في قواعد اللغة فلا ترجمة دون لغة، واقرأ المقالات الترجمية المتخصصة عن الأخطاء الشائعة والأساليب اللغوية والترجمية، واقرأ الكتب المتاحة هنا وهناك سواء بالعربية أو باللغات الأخرى، وما أكثر ذلك. والأهم، طبق ما قرأت في ممارستك الترجمية اليومية.

بداية المشوار

لعل فتح هذا الموضوع جاء استجابة موسعة لدعوات سابقة لبعض الزملاء لعرض خبرات كل منا في الولوج إلى عالم الترجمة، والتي كانت بدورها استجابة للكثير من الأسئلة التي تطرح في هذا الصدد.

وقد يكون الأفضل مناقشة الموضوع من خلال عدد من الأسئلة، أطرح فيها ما رأيت على المستوى الشخصي سواء من خلال الخبرة العملية أو خبرات الزملاء أو من خلال القراءة، ولآراء حضراتكم جميعا كل الرحب والسعة.

وفيما يلي سأطرح خطة تسويقية تعتمد على التقدم المهني، بدءا من المترجم الطالب وحتى الخريج الحديث وانتهاء بالمترجم الذي سلك طريقه إلى عالم الترجمة، والله الموفق.

متى يبدأ المترجم تسويق خدماته؟

ما من مبالغة إطلاقا إن قلنا إن على الشخص الذي يرى أن مستقبله في الترجمة أن يبدأ منذ السنة الأولى في الجامعة بتسويق خدماته. والذي لم يدرك أهمية ذلك إلا بعد التخرج فإنه في الواقع تأخر كثيرا، ومع ذلك، فالفرصة مفتوحة للجميع.

- استطراد:
شخصيا أول مهمة ترجمية طلبت مني كانت في السنة الأولى من الجامعة، وقد اعتذرت عنها لأنني شعرت آنذاك أنني قد لا أؤديها على الوجه المطلوب، ورغم أنني في تلك السن لم يكن لدي اعتقاد أن مستقبلي قد يكون في الترجمة لكنني وضعت الأمر في اعتباري منذ ذلك الحين، لاسيما أن مادة الترجمة كانت هي المادة الوحيدة التي حصلت فيها على تقدير الامتياز! كما كنت وزميلة أخرى وحسب من حصلتا على هذا التقدير. وأول عمل ترجمي مدفوع قمت به كان في السنة الثالثة من الجامعة.

كيف يمكن لطالب جامعي بدء مشواره الترجمي؟

ثمة الكثيرون يقدرون مهارتك اللغوية، وثمة الكثيرون يحتاجون مساعدتك، وأنت في الواقع المستفيد الأول. ليس عيبا إطلاقا أن تبدأ مشوارك الترجمي بعرض خدماتك على بعض الباحثين أو على المكاتب المحيطة بك والتي تقدم مثل هذه الخدمات. إن الاختلاط بهذه النوعية من الباحثين أو المكاتب الترجمية من شأنه أن يتيح لك ذخيرة كبيرة من المصطلحات وتنوعا كبيرا في الموضوعات، وإن كنت تتقن عملك وتحرص على إخراجه في خير وجه، فإنك ستتعرف إلى الكثير من المصادر الهامة للمترجم من معاجم متخصصة ومواقع إنترنت، وكذلك ستدعم آليات تعاملك مع النصوص الترجمية ومشاكلها، وستزيد قدراتك على مستوى الكيف والكم المترجم على حد سواء، الأمر الذي ستجني ثمرته فيما بعد وسيساعدك على اكتشاف مكانك الحقيقي وقدراتك في مجالات ترجمية معينة، إن شاء الله.

المراجعة: إن كان ما يمنعك أن هذه الجهات لا تقدم مراجعة لعملك، فالواقع أن أغلب الجهات الترجمية لا تقدم لك مراجعة عملك، حتى لو راجعتْه. لكن الممارسة الشخصية كفيلة بكسب الكثير من الخبرة في حد ذاتها. واصل البحث وعرض خدماتك، فإن تعاملت مع باحث أو مكتب متخصص في ترجمات معينة، فلا تستح أن تسألهم عن مصطلح معين أو عن مسرد خاص بهم، إذا شعرت أنهم قد يفيدوك في هذا الصدد. يعرف أغلب الباحثين ما تترجم أنت، فلا تستح من مناقشتهم وكسب خبراتهم. فضلا عن ذلك، يتعين عليك القراءة باللغتين العربية والأجنبية في الكتب والمقالات المرتبطة بالمجال الذي تترجم فيه، فهذا أحد المفاتيح الذهبية للتخصص في مجال ترجمي معين. إذ ستتطلع على تفاصيل كثيرة فضلا عن مصطلحات تجنبك الخطأ والفتوى الآثمة في هذا الصدد.

الجانب المادي: الواقع الذي لا مناص منه مهما كان مؤسفا أنه ما من جهة كبرى ستعين طالبا (بل وحتى الخريج الجديد) مهما كانت قدراته، أو لنقل أن نادرا من يفعل ذلك. وأنت بظروف دراستك لن تجد الوقت الكافي للالتزام حتى لو وجدت هذه الفرصة. ومن ثم، فلا تستقل بمساعدتك الآخرين بمقابل مادي قليل، بل انظر إليه باعتباره منحة تدريبية بعائد أيضا. وإن قال لك أحدهم لن تستفيد من ذلك، فعليك أن تسأل من استفاد من ذلك.

أما الذين يصرون أن عليك ألا تقبل في الورقة إلا عشرات الدولارات وأنت في بداية مشوراك الترجمي، لا يخدعونك، وإنما يخافون عليك، لكنهم على قسمين: بعضهم لا يريدون أن تبذل من العناء ما بذلوه هم أنفسهم في بداية مشوار حياتهم. وبعضهم الآخر لم يشق طريقه في الترجمة من البداية، وإنما جاءته من سبل أخرى مثل عمله الأكاديمي أو تخصصه في تخصص دقيق كالطب أو الهندسة، أو غير ذلك. وفي هذا أقول: إن لك الحق في العناء ولك الحق في شق طريقك في الصخر، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

الخبرة: لا تترك مكتبا ولا عميلا عملت معه وأشاد بعملك إلا أن بعد تأخذ منه شهادة بعملك معه وفترة ذلك مهما كانت قليلة. فالكثيرون -مهما بدوا- يحبون أن يساعدوك ولن يمانعوا من إعطائك مثل هذه الشهادة أو إدارج بياناتهم كمرجع لك مادمت تستحق ذلك. سجل في سيرتك الذاتية تاريخ أول ورقة قمت بترجمتها مقابل أجر، فهذه هي بداية خبرتك. سجل لديك كل مشروع قمت به مهما كان صغيرا: اسمه، وتخصصه، وعدد كلماته. واحتفظ لديك بنسخة من كل عمل قمت بترجمته، بطريقة منظمة.

المَراجع: أساتذتك في الجامعة الذين يعرفون مستواك في الترجمة، وعملاؤك، هم مراجع لك، أي “شهود” على قدراتك الترجمية، يمكن إضافتهم إلى سيرتك الذاتية. والحديث مع أساتذتك وزملائك الذين سبقوك في التخرج عن حبك لمجال الترجمة وسعيك لولوجه من شأنه أن يكون سبيلا إلى ترشيحهم لك في مشاريع ترجمية تالية، إن شاء الله. ومسألة الاستفادة من خبرة الزملاء نتناولها منفصلة، إن شاء الله.


هذا الموقع يستخدم الوردبرس - تصميم CodeScheme - تعريب بن الطاهر